ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
271
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
ورائها حتى لا تنقطع وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا يتناولها الأنامل وليحك بها بدنه عند الحاجة فالظفر الذي هو أخس الأعضاء لو عدمها الإنسان وظهر به حكه لكان أعجز الخلق وأضعفهم ولم يقم أحد مقامه في حك بدنه ثم هدى اليد إلى موضع الحك حتى تمتد إليه ولو في النوم والغفلة من غير حاجة إلى طلب ولو استعان بغيره لم يعثر على موضع الحك إلا بعد تعب طويل . ثم خلق هذا كله من النطفة وهي داخل الرحم في ظلمات ثلاث ( 1 ) ولو كشف الغطاء والغشاء وامتد البصر إليه لكان يرى التخطيط والتصوير يظهر عليها شيئا فشيئا ولا يرى المصور فهل رأيت مصورا فاعلا لا يمس مصنوعه وهو يتصرف فيه فهذا يدل على كونه قادرا لنفسه لاختراعه الأشياء من غير مماسة لأن القادر بقدرته ( 2 ) لا يقدر على الفعل إلا بمماسة أو يماس ما ماسه فسبحان الله العظيم القادر للذات العالم للذات مخترع الأشياء وفاعلها وخالقها إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ما أعظم شأنه وأظهر برهانه ثم انظر إلى عظم قدرته وكمال رحمته فإنه لما ضاق الرحم على الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس وتحرك وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي ثم لما كان بدنه سخيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف واستخرجه من بين الدم والفرث سائغا خالصا وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن وأنبت لهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليه فم الصبي ثم فتح في حلمة الثدي ثقبا ضيقا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجا فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل ثم كيف هداه إلى الامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن عند شدة الجوع ثم انظر إلى عطفه ورأفته كيف أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن فإذا كبر لم يوافقه اللبن السخيف ويحتاج إلى الطعام الغليظ ويحتاج الطعام إلى المضغ والطحن فأنبت له الأسنان عند الحاجة لا قبلها ولا بعدها فسبحانه
--> ( 1 ) الظاهر أن يكون المراد ظلمة المشيمة وظلمة الرحم وظلمة البطن بعضها فوق بعض . ( 2 ) في بعض النسخ [ لا أنه قادر بقدرة ] .